ابن عجيبة

470

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وهذا السر الذي خص به الآدمي هو كامن فيه ، من حيث هو ، كان كافرا أو مؤمنا ، كما كمن الزبد في اللبن ، فلا يظهر إلا بعد الترييب والضرب والمخض ، وإلا بقي فيه كامنا ، وكذلك الإنسان ، السر فيه كامن ، وهو نور الولاية الكبرى ، فإذا آمن ووحد اللّه تعالى ، واهتز بذكر اللّه ، وضرب قلبه باسم الجلالة ، ظهر سره ، إن وجد شيخا يخرجه من سجن نفسه وأسر هواه . وله مثال آخر ، وهو أن كمون السر فيه ككمون الحب في الغصون قبل ظهوره ، فإذا نزل المطر ، وضربت الرياح أغصان الأشجار ، أزهرت الأغصان وأثمرت ، وإليه أشار في المباحث الأصلية ، حيث قال : وهي من النفوس في كمون * كما يكون الحب في الغصون حتى إذا أرعدت الرعود * وانسكب الماء ولان العود وجال في أغصانها الرياح * فعندها يرتقب اللقاح ثم قال : فهذه فواكه المعارف * لم تشر بالتالد أو بالطارف « 1 » ما نالها ذو العين والفلوس * وإنما تباع بالنفوس فلا يظهر هذا السر الكامن في الإنسان إلا بعد إرعاد الرعود فيه ، وهي المجاهدة والمكابدة ، وقتل النفوس ، بخرق عوائدها ، وبعد نزول أمطار النفخات الإلهية ، والخمرة الأزلية ، على يد الأشياخ ، الذين أهّلهم اللّه لسقى هذا الماء ، وتجول في أغصان عوالمه رياح الواردات ، وينحط مع أهل الفن ، حتى يسرى فيه أنوارهم ، ويتأدب بآدابهم ، فحينئذ ينتظر لقاح السر فيه ، ويجنى ثمار معارفه ، وإلا بقي السر أبدا كامنا فيه . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله .

--> ( 1 ) التالد : المال القديم الأصلي ، الذي ولد عندك ، وطال في ملكك . انظر اللسان ( تلد ، 1 / 439 ) والطارف والطريف : الحادث من المال ، أي : الذي تجدد ملكه ، وهو ضد التالد . انظر ( طرف ، 4 / 2657 ) وانظر شرح الأبيات في الفتوحات الإلهية ( 117 - 126 ) .